فصل: قال الشعراوي:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



ويتمنّون ذلك في الآخرة حين يساقون إلى النار لكفرهم، قال تعالى: {ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتّخذت مع الرسول سبيلا} [سورة الفرقان: 27].
وكذلك إذا أخرج عصاة المسلمين من النار ودّ الذين كفروا في النار لو كانوا مسلمين، على أنهم قد ودُّوا ذلك غير مرة وكتموه في نفوسهم عنادًا وكفرًا.
قال تعالى: {ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نردّ ولا نكذّب بآيات ربّنا ونكون من المؤمنين بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل} [سورة الأنعام: 27، 28]، أي فلا يصرحون به.
و{لو} في {لو كانوا مسلمين} مستعملة في التمني لأن أصلها الشرطية إذ هي حرف امتناع لامتناع، فهي مناسبة لمعنى التمني الذي هو طلب الأمر الممتنع الحصول، فإذا وقعت بعد ما يدل على التمني استعملت في ذلك كأنها على تقدير قول محذوف يقوله المتمني، ولما حذف فعل القول عدل في حكاية المقول إلى حكايته بالمعنى.
فأصل {لو كانوا مسلمين} لو كُنّا مسلمين.
والتزم حذف جواب {لو} اكتفاء بدلالة المقام عليه ثم شاع حذف القول، فأفادت {لو} معنى المصدرية فصار المعنى: يودّ الذين كفروا كونهم مسلمين، ولذلك عَدُّوها من حروف المصدرية وإنما المصدر معنى عارض في الكلام وليس مدلولها بالوضع.
{ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (3)}
لما دلّت {رُبّ} على التقليل اقتضت أن استمرارهم على غلوائهم هو أكثر حالهم، وهو الإعراض عما يدعوهم إليه الإسلام من الكمال النفسي، فبإعراضهم عنه رضوا لأنفسهم بحياة الأنعام، وهي الاقتصار على اللذات الجسدية، فخوطب الرسول صلى الله عليه وسلم بما يُعرّض لهم بذلك من أن حياتهم حياة أكل وشرب. وذلك مما يتعيّرون به في مجاري أقوالهم كما في قول الحطيئة:
دَع المكارم لا تنهض لبُغيتها ** واقعُدْ فإنك أنتَ الطاعم الكاسي

وهم منغمسون فيما يتعيّرون به في أعمالهم قال تعالى: {والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم} [سورة محمد: 12].
و{ذر} أمر لم يسمع له ماض في كلامهم. وهو بمعنى الترك. وتقدم في قوله: {وذر الذين اتّخذوا دينهم لعبًا ولهوًا} في سورة الأنعام [70].
والأمر بتركهم مستعمل في لازمه وهو قلة جدوى الحرص على إصلاحهم.
وليس مستعملًا في الإذن بمتاركتهم لأن النبي مأمور بالدوام على دعائهم.
قال تعالى: {وذر الذين اتخذوا دينهم لعبًا} إلى قوله: {وذكّر به أن تبسل نفس بما كسبت} [سورة الأنعام: 70].
فما أمره بتركهم إلا وقد أعقبه بأمره بالتذكير بالقرآن؛ فعلم أن الترك مستعمل في عدم الرجاء في صلاحهم.
وهذا كقول كبشة أُخت عمرو بن معد يكرب في قتل أخيها عبد الله تستنهض أخاها عمرًا للأخذ بثأره:
وَدَعْ عنك عمرا إن عَمْرا مُسالِم ** وهل بَطن عَمرو غيرُ شِبر لمَطْعَم

وقد يستعمل هذا الفعل وما يراد به كناية عن عدم الاحتياج إلى الإعانة أو عن عدم قبول الوساطة كقوله تعالى: {ذرني ومن خلقت وحيدا} [سورة المدثر: 11]، وقوله: {وذرني والمكذبين} [سورة المزمل: 11].
وقد يستعمل في الترك المجازي بتنزيل المخاطب منزلة المتلبّس بالضدّ كقول أبي تمام:
دعوني أنُحْ من قبل نوح الحمائم ** ولا تجعلوني عُرضة للوَائِم

إذ مثل هذا يقال عند اليأس والقنوط عن صلاح المرء.
وقد حذف متعلق الترك لأن الفعل نزل منزلة ما لا يحتاج إلى متعلق، إذ المعني به ترك الاشتغال بهم والبعد عنهم، فلذلك عدّي فعل الترك إلى ذواتهم ليدل على اليأس منهم.
و{يأكلوا} مجزوم بلام الأمر محذوفة كما تقدم بيانه عند قوله تعالى: {قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة} في [سورة إبراهيم:31].
وهو أمر للتوبيخ والتوعد والإنذار بقرينة قوله: {فسوف يعلمون}.
وهو كقوله: {كلوا وتمتعوا قليلًا إنكم مجرمون} سورة المرسلات [46].
ولا يحسن جعله مجزومًا في جواب {ذرهم} لأنهم يأكلون ويتمتعون سواء ترك الرسول صلى الله عليه وسلم دعوتهم أم دعاهم.
والتمتع: الانتفاع بالمتاع.
وقد تقدم غير مرة، منها قوله: {ومتاع إلى حين} في سورة الأعراف [24].
وإلهاء الأمل إياهم: هو إنساؤه إياهم ما حقهم أن يتذكروه؛ بأن يصرفهم تطلب ما لا ينالون عن التفكير في البعث والحياة الآخرة.
و{الأمَلُ}: مصدر. وهو ظن حصول أمر مرغوب في حصوله مع استبعاد حصوله. فهو واسطة بين الرجاء والطمع. ألا ترى إلى قول كعب:
أرجو وآمُل أن تدنو مودتها ** وما إخال لدينا منك تنويل

وتفرع على التعريض التصريح بالوعيد بقوله: {فسوف يعلمون} بأنه مما يستعمل في الوعيد كثيرًا حتى صار كالحقيقة.
وفيه إشارة إلى أن لإمهالهم أجلًا معلومًا كقوله: {وسوف يعلمون حين يرون العذاب} [سورة الفرقان: 42]. اهـ.

.قال الشعراوي:

{الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ (1)}
السورة التي نبدأ خواطرنا عنها هي سورة الحجر تبدأ بالكلام عن جامع البلاغ، ومنهج لحياة الحياة وهو القرآن الكريم الذي قد جاء بالخبر اليقين في قضية الألوهية الواحدة، والتي ذكرنا في آخر السورة السابقة بأن أُولِي الألباب يستقبلونها بتعقولهم.
ويقول الحق سبحانه في مُسْتهل السورة:
{الر تِلْكَ آيَاتُ الكتاب وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ} [الحجر: 1].
والسورة كما نرى قد افْتُتِحَتْ بالحروف التوفيقية؛ والتي قلنا: إن جبريل عليه السلام نزل وقرأها هكذا؛ وحفظها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبلغها لنا هكذا؛ وهي نزلتْ أوَّل ما نزلت على قوم برعوا في اللغة؛ وهم أهل فصاحة وبيان، ولم نجد منهم مَنْ يستنكرها.
وهي حروف مُقطّعة تنطَق بأسماء الحروف لا مُسمَّياتها، ونعلم أن لكل حرف اسمًا، وله مسمى؛ فحين نقول أو نكتب كلمة كتب؛ فنحن نضع حروفًا هي الكاف والباء والتاء بجانب بعضها البعض، لتكون الكلمة كما ننطقها أو نقرؤها.
ويقال عن ذلك إنها مُسمَّيات الحروف، أما أسماء الحروف؛ فهي كاف وباء وتاء، ولا يعرف أسماء الحروف إلا المُتعلِّم؛ ولذلك حين تريد أن تختبر واحدًا في القراءة والكتابة تقول له: تَهَجَّ حروف الكلمة التي تكتبها، فإن نطق أسماءَ الحروف؛ عرفنا أنه يُجيد القراءة والكتابة.
وهذا القرآن كما نعلم نزل مُعجِزًا للعرب الذين نبغوا في اللغة، وكانوا يقيمون لها أسواقًا؛ مثل المعارض التي نقيمها نحن لصناعاتنا المتقدمة.
ولذلك شاء الحق سبحانه أن تأتي معجزة القرآن من نفس الجنس الذي نبغوا فيه، فلو كانت المعجزة من جنسٍ غير ما نبغوا فيه ولم يَألفوه لَقَالوا: لو تعلمنا هذا الأمر لَصنعْنَا ما يفوقه.
وجاءتهم معجزة القرآن من نفس الجنس الذي نبغُوا فيه؛ وباللغة العربية وبنفس المُفْردات المُكوّنة من الحروف التي تُكوِّنون منها كلماتكم، والذي جعل القرآن مُعْجِزًا أن المُتكلّم به خالق وليس مخلوقًا، وفي {الر} نفس الخامات التي تصنعون منها لُغَتكم.
وهذا بعض ما أمكن أن يلتقطه العلماء من فواتح السور. علينا أن نعلم أن لله في كلماته أسرارًا؛ فهو سبحانه: {هُوَ الذي أَنزَلَ عَلَيْكَ الكتاب مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الكتاب وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابتغاء الفتنة وابتغاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ الله والراسخون فِي العلم يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا} [آل عمران: 7].
أي: أن القرآن به آيات مُحْكمات، هي آيات الأحكام التي يترتب عليها الثواب والعقاب، أما الآيات المتشابهات فهي مثل تلك الآيات التي تبدأ بها فواتح بعض السور؛ ومَنْ في قلوبهم زَيْغ يتساءلون: ما معناها؟ وهم يقولون ذلك لا بَحْثًا عن معنى؛ ولكن رغبةً للفتنة.
ولهؤلاء نقول: أتريدون أنْ تفهموا كل شيء بعقولكم؟ إن العقل ليس إلا وسيلةَ إدراك؛ مِثْله مِثْل العين، ومِثْل الأذن.
فهل ترى عيناك كل ما يمكن أن يُرَى؟ طبعًا لا؛ لأن للرؤية بالعين قوانينَ وحدودًا، فإنْ كنتَ بعيدًا بمسافة كبيرة عن الشيء فلن تراه؛ ذلك أن العين لا ترى أبعد من حدود الأفق.
وكل إنسان يختلف أُفْقه حسب قوة بصره؛ فهناك مَنْ أنعم الله عليه ببصر قوي وحادٍّ؛ وهناك مَنْ هو ضعيفُ البصرِ؛ ويحتاج إلى نظارة طبية تساعده على دِقّة الإبصار.
فإذا كانت للعين وهي وسيلة إدراك المرائي حدود، وإذا كانت للأذن، وهي وسيلة إدراك الأصوات بحد المسافة الموجية للصوت؛ فلابُدَّ أن تكون هناك حدود للعقل، فهناك ما يمكن أن تفهمه؛ وهناك مَا لا يمكن أن تفهمه.
والرسول صلى الله عليه وسلم قال عن آيات القرآن: «ما عرفتم منه فاعملوا به، وما تشابه منه فآمنوا به».
وذلك حفاظًا على مواقيت ومواعيد ميلاد أيِّ سِرٍّ من الأسرار المكنونة في القرآن الكريم، فلو أن القرآن قد أعطى كل أسراره في أول قَرْن نزل فيه؛ فكيف يستقبل القرونَ الأخرى بدون سِرٍّ جديد؟
إذن: فكٌلَّما ارتقى العقل البشري؛ كلما أَذِن الله بكشف سِرٍّ من أسرار القرآن، ولا أحد بقادر على أن يجادل في آيات الأحكام.
ويقول الحق سبحانه عن الآيات المتشابهة: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ الله والراسخون فِي العلم يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا} [آل عمران: 7].
وهناك مَنْ يقرأ هذه الآية كالآتي: {وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم} وتناسى مَنْ يقرأ تلك القراءة أن مُنْتهى الرسوخ في العلم أن تؤمن بتلك الآيات كما هي.
والحق سبحانه يقول: {الر تِلْكَ آيَاتُ الكتاب وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ} [الحجر: 1].
و{تلك} إشارة لما سبق ولِمَا هو قادم من الكتاب، و{آيات} جمع آية، وهي: الشيء العجيب الذي يُلْتفت إليه، والآيات إما أنّ تكونَ كونية كالليل والنهار والشمس والقمر لتثبت الوجود الأعلى، وإما أنْ تكونَ الآيات المُعْجزة الدالة على صِدْق البلاغ عن الله وهي معجزات الرسل، وإما أن تكونَ آيات القرآن التي تحمل المنهج للناس كافّة.
ويضيف الحق سبحانه: {قُرْآنٍ مُّبِينٍ} [الحجر: 1].
فهل الكتاب هو شيء غير القرآن؟ ونقول: إن الكتاب إذا أُطلِق؛ فهو ينصرف إلى كل ما نزل من الله على الرسل؛ كصحف إبراهيم، وزبور داود، وتوراة موسى، وإنجيل عيسى؛ وكل تلك كتب، ولذلك يسمونهم أهل الكتاب.
أما إذا جاءت كلمة {الكتاب} مُعرَّفة بالألف واللام؛ فلا ينصرف إلا للقرآن، لأنه نزل كتابًا خاتمًا، ومُهيْمنًا على الكتب الأخرى.
وبعد ذلك جاء بالوصف الخاص وهو {قرآن}، وبذلك يكون قد عطف خاصًا على عامٍّ، فالكتاب هو القرآن، ودلَّ بهذا على أنه سيكتب كتابًا، وكان مكتوبًا من قبل في اللوح المحفوظ.
وإن قيل: إن الكتب السابقة قد كُتِبت أيضًا؛ فالردّ هو أن تلك الكتب قد كُتِبت بعد أن نزلتْ بفترة طويلة، ولم تُكتب مِثْل القرآن ساعة التلقِّي من جبريل عليه السلام، فالقرآن يتميز بأنه قد كُتب في نفس زمن نُزوله، ولم يُترك لقرون كبقية الكتب ثم بُدئ في كتابته.
والقرآن يُوصف بأنه مُبِين في ذاته وبين لغيره؛ وهو أيضًا مُحيط بكل شيء.
وسبحانه القائل: {مَّا فَرَّطْنَا فِي الكتاب مِن شَيْءٍ} [الأنعام: 38].
وأيُّ أمر يحتاج لحكم؛ فإما أن تجده مُفصَّلًا في القرآن، أو نسأل فيه أهل الذكر، مصداقًا لقول الحق سبحانه: {فاسئلوا أَهْلَ الذكر إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} [الأنبياء: 7].
ويقول سبحانه من بعد ذلك: {رُّبَمَا يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ}
ورُبَّ حرف يستعمل للتقليل، ويُستعمل أيضًا للتكثير على حَسْب ما يأتي من بعده، وهو حَرْفٌ الأصل فيه أن يدخلَ على المفرد، ونحن نقول رُبَّ أخٍ لك لم تلدْه أمك وذلك للتقليل، مثلما نقول ربما ينجح الكسول.
ولكن لو قُلْنا ربما ينجح الذكي فهذا للتكثير، وفي هذا استعمال للشيء في نقيضه، إيقاظًا للعقل كي ينتبه. وهنا جاء الحق سبحانه:
بـ: رُب ومعها حرف ما ومن بعدهما فعل، ومن العيب أن تقول: إن ما هنا زائدة؛ ذلك أن المتكلم هو ربُّ كل العباد.
وهنا يقول الحق سبحانه: {رُّبَمَا يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ} [الحجر: 2].
فهل سيأتي وقت يتمنى فيه أهل الكفر أنْ يُسلموا؟ إن {يودّ} تعني يحب ويميل ويتمنى، وكل شيء تميل إليه وتتمناه يسمى طلب.
ويقال في اللغة: إن طلبت أمرًا يمكن أن يتحقق، ويمكن ألاّ يتحقق؛ فإنْ قُلْتَ: يا ليت الشبابَ يعود يومًا فهذا طَلبٌ لا يمكن أن يتحققَ؛ لذلك يُقال إنه تمني، وإنْ قلت لعلِّي أزور فلانًا فهذا يُسمّى رجاء؛ لأنه من الممكن أن تزور فلانًا، وقد تقول: كم عندك؟ بهدف أن تعرف الصورة الذهنية لمَنْ يجلس إليه مَنْ تسأله هذا السؤال، وهذا يُسمّى استفهامًا.
وهكذا إنْ كنت قد طلبتَ عزيزًا لا يُنال فهو تمنٍّ؛ وإن كنت قد طلبتَ ما يمكن أن يُنَال فهو الترجي، وإن كنتَ قد طلبتَ صورته لا حقيقته فهو استفهام، ولكن إنْ طلبت حقيقة الشيء؛ فأنت تطلبه كي لا تفعل الفعل.
والطلب هنا في هذه الآية؛ يقول: {رُّبَمَا يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ} [الحجر: 2].
فهل يتأتَّى هذا الطلب؟
وَلنر متى يودُّون ذلك. إن ذلك التمنِّي سوف يحدث إنْ وقعتْ لهم أحداثٌ تنزع منهم العناد؛ فيأخذون المسائل بالمقاييس الحقيقية.
والحق سبحانه هو القائل: {وَجَحَدُواْ بِهَا واستيقنتهآ أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} [النمل: 14].
وقد حدث لهم حين وقعت غزوة بدر، ونال منهم المسلمون الغنائم أنْ قالوا: يا ليتنا كنا مسلمين، وأخذنا تلك الغنائم.
أي: أن هذا التمنِّي قد حدث في الدنيا، ولسوف يحدث هذا عند موت أحدهم.
يقول الحق سبحانه: {حتى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الموت قَالَ رَبِّ ارجعون لعلي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ} [المؤمنون: 100].
ويعلق الحق سبحانه على هذا القول: {كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا} [المؤمنون: 100].
وسيتمنون أيضًا أن يكونوا مسلمين، مصداقًا لقول الحق سبحانه: {وَلَوْ ترى إِذِ المجرمون نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فارجعنا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ} [السجدة: 12].
إذن: فسيأتي وقت يتمنّى فيه الكفار أن يكونوا مسلمين، إذَا مَا عاينوا شيئًا ينزع منهم جحودهم وعنادهم، ويقول لهم: إن الحياة التي كنتم تتمسَّكون بها فانية؛ ولكنكم تطلبون أن تكونوا مسلمين وقت أنْ زال التكليف، وقد فات الأوان.
ويكفي المسلمين فَخْرًا أن كانوا على دين الله، واستمسكوا بالتكليف، ويكفيكم عارًا أنْ خَسِرْتم هذا الخسران المبين، وتتحسروا على أنكم لم تكونوا مسلمين.
وفي اليوم الآخر يُعذِّب الحق سبحانه العصاة من المسلمين الذين لم يتوبوا من ذنوبهم، ولم يستغفروا الحق سبحانه، أو ممَّنْ لم يغفر لهم سبحانه وتعالى ذنوبهم؛ لعدم إخلاص النية وحُسْن الطوية عند الاستغفار، ويدخل في ذلك أهل النفاق مصداقًا لقوله تعالى: {استغفر لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ} [التوبة: 80].